أحمد بن محمد ابن عربشاه

308

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وإنما أوردت هذا التنظير ، أيها الصاحب البصير ؛ لفائدتين جليلتين عظيمتين . إحداهما : الإعلام بالتحقيق أن العدو العتيق لا يتأتى منه صديق . ثانيهما : الإعلام بأن الواجب على الحكام أن لا يعجلوا بالانتقام ، فربما يورثهم الاستعجال الندامة في المآل ، في حالة لا يفيد العذل والتفنيد وعند ذلك لا يمكن التدارك ؛ بل إذا نقل إليهم وأورد عليهم ما يثير غبار الغضب ويحمى من نار السخط ، اللهم لا يفلتون زمام التثبت والتفكير من أنامل التأنى والتدبير ، خصوصا السلاطين والملوك الأساطين ؛ فإن قدرتهم واسعة وأطراف أوامرهم شاسعة ، وأوهاق « 1 » اختيارهم طويلة ، ومرامى المراد لمرامهم منيلة ، وآذان الكون لأوامرهم سميعة ، وعين المكان لمراسيمهم مراقبة مطيعة ؛ فمهما أرادوا من النفع أوصلوا ، ومهما اختاروا من الضر فعلوا ، وذلك في كل حين ممسين أو مصبحين . ولذلك قالوا : القاضي لا يحكم حكما إلا وهو راضى ، ولا يحكم وهو غضبان ، وهو مشغول الخاطر ، ولا غرثان . فإن وجدوا طريقا إلى الخير بادروا إليه ، وإذا قصدوا إيقاع شر توقفوا لديه . ولا يهملوه ؛ بل يسبروا غوره إلى أن يقفوا عليه . فربما يكون من مداخله عدو ، أو حاسد ، أو يتعاطى من له غرض فاسد . ثم اعلم يا ذا التبصرة والفضل والتذكرة ، أن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فلما رعا يسار هذا الحوار قال : ما أزهى هذه النصائح وأزكى ما لها من روائح ، وأنا أقبلها ولا يزال مرتشف سمعي مقبلها ، وعلى ذلك أعاهدك ، ومهما رأيت غيره أعاقدك فإنه للملك عين المصلحة وللملك زين ومسلحة ، وأيضا فاشترط ما بدا لك مما يزين حالك ، ويصون مالك ومآلك .

--> ( 1 ) أحبال .